مجلد 6 عدد 1 (2026)
افتتاحية العدد:
تطل مجلة التجديد العربي الدولية العلمية المحكمة على قراءها بعدد جديد مفتتح عام 2026 في مجلدها السادس – العدد الاول، حيث استمر تداولها وصدورها منذ عام 2020؛ إذ تبنت هيئة تحرير المجلة رؤية تجديدية نابعة من الايمان العميق بأن الفكر العربي المتجدد يستلهم بنائه من القيم الحضارية، كما انه يستوعب متطلبات الحاضر ويواكب بشكل مستمر التطور العلمي العالمي بشكل عام والعربي بشكل خاص.
لقد دأبت اعداد المجلة السابقة والعدد الحالي على رفد الساحة الفكرية العربية في مجال العلوم العلمية والانسانية بمواضيع هامة تسهم في نهضة الأُمة وتسعى إلى تقدمها برؤية عصرية ومستقبل مشرق.
وفي المجلد الاول من هذا العدد الذي حوى 8 أبحاث؛ جاء في مقدمتها بحث يستند الى نظرية الأنساق العامة، من خلال طرح سؤال من النظرية الى النموذج (النظرية الى البراديغم) (From Theory to Paradigm) حيث يهدف البحث الى ضرورة تقارب نصوص التراث بوعي نسقي وهو بحث يعتمد على بناء المعرفة تحليلاً وتأويلاً، بهدف فهم النصوص بوصفها انساقاً لا تستقر على حال.
ومن الحداثة والتجديد ننقل القارئ الكريم الى سيرة تاريخية أثرية سياسية لملك من الامبراطورية الآشورية التي حكمت ثلث العالم في الالف الثاني قبل الميلاد، ومن دلالة اسم الملك الذي يعني اسمه "ملك كل الملوك" (شار – كلي - شري)، نطالع في البحث سياسة هذا الملك ودوره في تثبيت اركان دولته وتوسعها سياسيًا وعسكريًا، وهو بذلك لا يختلف كثيرا عن ملوك سبقوه أو اعقبوه في حكم الدولة الآشورية، والذي انتهج سياسة الوحدة السياسية لإمبراطورية مترامية الاطراف، وكيف انه استطاع حماية دولته من شرور الاعداء القادمين من الشرق على مر التاريخ.
وفي بحث ثالث ينتهج منهج التجديد في المنظومة التعليمية وابراز دورها في تعزيز الأمن الفكري، على اعتبار ان المنظومة التعليمية ركيزة اساسية من ركائز بناء المجتمعات. نجد بحثًا من الاهمية بمكانأ أنّه يركّز في اشارته الى ضرورة حماية الفكر وبناء مجتمع متماسك فكريًا وثقافيًا، مقترحا مجموعة من الحلول لتحقيق هذه الغايات.
ان اهتمام مجلة التجديد العربي بكل ما من شأنه ان يخدم الدور الحضاري والثقافي العربي، جعل هيئة تحرير المجلة تأخذ على عاتقها قبول ابحاث تندرج ضمن هذه الاطر، بعد التحكيم واستيفاء شروط النشر؛ لذا فقد حوى هذا العدد بحثا مثيرا للاهتمام، تحت عنوان "اصول العرب وجذور العربية" وهو موضوع يلخص ويستعرض لنا عدد من النظريات حول موضوع أصل العرب وجغرافيتهم، ثم يطرح البحث رأيًا مستنبطا من النصوص الكتابية الموثقة لاسيما ما ورد من آيات الذكر الحكيم وأحاديث نبوية، اضافة الى مصادر تاريخية لمؤرخين اعتمدوا على روايات، تناولها البحث بالمقارنة والتحليل مع ما توصل اليه البحث من نتائج حول اصول العرب وجذور اللغة العربية.
ومن مواضيع التراث العربي والاسلامي، وما له علاقة بالحضارة واللغة العربية نقرأ في هذا العدد، بحثا عن الاستشراق في تاريخه المبكر، وقد اختار البحث نموذج الاستشراق الاسباني من خلال السياق والتحولات، على اعتبار ان الاستشراق الاسباني كان المحاولة الاولى في أوربا لاكتشاف الشرق ودراسته المرتبط في اغلب الاحيان بالاسلام وتراثه الحي. وقد سلّط البحث اهتمامه على حقبة معينة، ابرز من خلال دراستها نوع الاستشراق الاسباني في خصائص ترتبط بالوجود العربي – الاسلامي في اسبانيا.
وحتى لانخرج من دائرة الاهتمام العربي، نطالع في هذا العدد بحثا مهما حول تجربة جامعة الدول العربية في تحقيق التكامل الاقتصادي، من خلال سرد تاريخي يبدأ بأول وثيقة عربية نوقشت في جامعة الدول العربية، حيث كشف البحث، حيثيات الاقتصاد العربي المشترك من خلال التركيز على تأسيس منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وخلصت الدراسة الى ان عدم تحقيق التنمية المستقلة في كل دولة عربية، قد شكّل عائقا امام التكامل السياسي والاقتصادي.
ومن الاقتصاد الى الشعر العربي وبحث في سيميائية العنوان في شعر "أحمد الخيال"، حيث اختار البحث نموذجا محددا بمجموعة شعرية بعنوان "سبأ أخرى" وقد تناول البحث بالتحليل والمقاربة التطرق الى السيميائية عند العلماء العرب والغرب، ليخلص البحث الى تحليل ذو دلالات متعددة على مستويات مختلفة الجوانب والاتجاهات.
لقد قدم العدد الحالي تنوعًا معرفيًا في جوانب مختلفة من العلوم الانسانية وتوابعها، وهذا التوجه للابحاث المقبولة والتي نشرت في هذا العدد، تعكس التداخل بين التخصصات في مجال العلوم المعرفية كافة، وفق منظمة فكرية تجديدية حديثة ـ مع الحفاظ على الهوية المعرفية في الطرح والعودة الى الاصول كلما تطلب الامر- وهذا ما دأبت عليه المجلة في نشر ابحاثها المقبولة وفق شروط النشر وتطبيقاته المتعارف عليها والتي يجدها المتابع في اعداد المجلة السابقة واللاحقة.
ومن الله العون والتوفيق
رئيس التحرير
أ. د. قصي منصور التُركي